ولما أتم المشورة، رجع إلى بقية عبارة الرؤيا، فقال :﴿ثم يأتي﴾ ولما كانت مدة الإتيان غير مستغرقة لزمان البعد، أتى بالجار فقال :﴿من بعد ذلك﴾ أي الأمرالعظيم، وهي السبع التي تعملون فيها هذا العمل ﴿سبع﴾ أي سنون ﴿شداد﴾ بالقحط العظيم، وهن ما أشارت إليه رؤيا صاحبك الذي طار برزقه الطيور، وسار بروحه غالب المقدور، ودلت عليه رؤيا الملك من البقرات العجاف والسنابل اليابسات ﴿يأكلن﴾ أسند الأكل إليهن مجازاً عن أكل أهلهن تحقيقاً للأكل ﴿ما قدمتم﴾ أي بالادخار من الحبوب ﴿لهن﴾ والتقديم : التقريب إلى جهة القدام، وبشرهم بأن الشدة تنقضي ولم يفرغ ما أعدوه، فقال :﴿إلا قليلاً مما تحصنون﴾ والإحصان : الإحراز، وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن المنيع - هذا تعبير الرؤيا، ثم زادهم على ذلك قوله :﴿ثم يأتي﴾ وعبر بالجار لمثل ما مضى فقال :﴿من بعد ذلك﴾ أي الجدب العظيم ﴿عام﴾ وهو اثنا عشر شهراً، ونظيره الحول والسنة، وهو مأخوذ من العلوم - لما لأهله فيه من السبح الطويل - قاله الرماني.
والتعبير به دون مرادفاته إشارة إلى أنه يكون فيه - من السعة بعموم الريّ وظهور الخصب وغزير البركة - أمر عظيم، ولذا اتبعه بقوله :﴿فيه ﴾.
ولما كان المتشوف إليه الإغاثة، على أنه من المعلوم أنه لا يقدر عليها إلا الله، قال بانياً للمفعول :﴿يغاث الناس﴾ من الغيث وهو المطر، أو من الغوث وهو الفرج، ففي الأول يجوز بناءه من ثلاثي ومن رباعي، يقال غاث الله الأرض وأغاثها : أمطرها، وفي الثاني هو رباعي خاصة، يقال : استغاث به فأغاثه، من الغوث وهو واوي، ومعناه النفع الذي يأتي على شدة حاجته بنفي المضرة، والغيث يائي وهو المطر الذي يأتي في وقت الحاجة ﴿وفيه﴾ أي ذلك العام الحسن.


الصفحة التالية
Icon