وقال أبو حيان :
﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ ﴾
والظاهر أنه لما ضرب هذا المثل للحق والباطل انتقل إلى ما لأهل الحق من الثواب، وأهل الباطل من العقاب، فقال : للذين استجابوا لربهم الحسنى، أي : الذين دعاهم الله على لسان رسوله ( ﷺ ) فأجابوا إلى ما دعاهم إليه من اتباع دينه الحالة الحسنى، وذلك هو النصر في الدنيا وما اختصوا به من نعمة الله، ودخول الجنة في الآخرة.
فالحسنى مبتدأ، وخبره في قوله : للذين.
والذين لم يستجيبوا مبتدأ، خبره ما بعده.
وغاير بين جملتي الابتداء لما يدل عليه تقديم الجار والمجرور في الاعتناء والاهتمام، وعلى رأي الزمخشري من الاختصاص أي : لهؤلاء الحسنى لا لغيرهم.
ولأن قراءة شيوخنا يقفون على قوله الأمثال، ويبتدئون للذين.
وعلى هذا المفهوم أعرب الحوفي الحسني مبتدأ، وللذين خبره، وفسر ابن عطية وفهم السلف.
قال ابن عباس : جزاء الحسنى وهي لا إله إلا الله.
وقال مجاهد : الحياة الحسنى ما في الطيبة.
وقيل : الجنة لأنها في نهاية الحسنى.
وقيل : المكافأة أضعافاً.
وعلق الزمخشري للذين بقوله يضرب فقال : للذين استجابوا متعلقة بيضرب أي : كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا، وللكافرين الذين لم يستجيبوا أي : هما مثلاً الفريقين.
والحسنى صفة لمصدر استجابوا أي : استجابوا الاستجابة الحسنى.
وقولهم : لو أن لهم كلام مبتدأ، ذكر ما أعد لغير المستجيبين انتهى.
والتفسير الأول أولى، لأنه فيه ضرب الأمثال غير مقيد بمثل هذين، والله تعالى قد ضرب أمثالاً كثيرة في هذين وفي غيرهما، ولأنه فيه ذكر ثواب المستجيبين بخلاف قول الزمخشري، فكما ذكر ما لغير المستجيبين من العقاب، ذكر ما للمستجيبين من الثواب.
ولأنّ تقديره الاستجابة الحسنى مشعر بتقييد الاستجابة، ومقابلتها ليس نفي الاستجابة مطلقاً، إنما مقابلها نفي الاستجابة الحسنى، والله تعالى قد نفى الاستجابة مطلقاً.