فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله :﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ ويمكن أيضاً أن يكون قوله :﴿لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ كالمقدمة لتقرير هذا الجواب، وذلك لأنا نشاهد أنه تعالى يخلق حيواناً عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة ثم يبقيه مدة مخصوصة ثم يميته ويفرق أجزاءه وأبعاضه فلما لم يمتنع أن يحيي أولاً، ثم يميت ثانياً فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الأوقات، ثم ينسخه في سائر الأوقات فكان المراد من قوله :﴿لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ما ذكرناه، ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال :﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ والمعنى : أنه يوجد تارة ويعدم أخرى، ويحيي تارة ويميت أخرى، ويغني تارة ويفقر أخرى فكذلك لا يبعد أن يشرع الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهية عند أهل السنة أو بحسب ما اقتضته رعاية المصالح عند المعتزلة فهذا اتمام التحقيق في تفسير هذه الآية، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى :
قوله تعالى :﴿لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ فيه أقوال.
الأول : أن لكل شيء وقتاً مقدراً فالآيات التي سألوها لها وقت معين حكم الله به وكتبه في اللوح المحفوظ فلا يتغير عن ذلك الحكم بسبب تحكماتهم الفاسدة ولو أن الله أعطاهم ما التمسوا لكان فيه أعظم الفساد.
الثاني : أن لكل حادث وقتاً معيناً قضى الله حصوله فيه كالحياة والموت والغنى والفقر والسعادة والشقاوة، ولا يتغير ألبتة عن ذلك الوقت.
والثالث : أن هذا من المقلوب والمعنى : أن لكل كتاب منزل من السماء أجلاً ينزله فيه، أي لكل كتاب وقت يعمل به، فوقت العمل بالتوراة والإنجيل قد انقضى ووقت العمل بالقرآن قد أتى وحضر.