ومثله قوله :﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا﴾ [ ص : ٦ ] أي أمشوا، والتأويل قيل لهم : امشوا، وتصلح أيضاً أن تكون المخففة التي هي للخبر، والمعنى : أرسلناه بأن يخرج قومه إلا أن الجار حذف ووصلت ( أن ) بلفظ الأمر، ونظيره قولك : كتبت إليه أن قم وأمرته أن قم، ثم إن الزجاج حكى هذين القولين عن سيبويه.
أما قوله :﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ فاعلم أنه تعالى أمر موسى عليه السلام في هذا المقام بشيئين : أحدهما : أن يخرجهم من ظلمات الكفر، والثاني : أن يذكرهم بأيام الله، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى :
قال الواحدي : أيام جمع يوم، واليوم هو مقدار المدة من طلوع الشمس إلى غروبها، وكانت الأيام في الأصل أيوام فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون، فأدغمت إحداهما في الأخرى وغلبت الياء.
المسألة الثانية :
أنه يعبر بالأيام عن الوقائع العظيمة التي وقعت فيها.
يقال : فلان عالم بأيام العرب ويريد وقائعها وفي المثل " من ير يوماً ير له " معناه : من رؤي في يوم مسروراً بمصرع غيره ير في يوم آخر حزيناً بمصرع نفسه وقال تعالى :
﴿وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس﴾ [ آل عمران : ١٤٠ ].
إذا عرفت هذا، فالمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد، فالترغيب والوعد أن يذكرهم ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل في سائر ما سلف من الأيام، والترهيب والوعيد : أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل ممن سلف من الأمم فيما سلف من الأيام، مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب، ليرغبوا في الوعد فيصدقوا ويحذروا من الوعيد فيتركوا التكذيب.
واعلم أن أيام الله في حق موسى عليه السلام منها ما كان أيام المحنة والبلاء وهي الأيام التي كانت بنو إسرائيل فيها تحت قهر فرعون ومنها ما كان أيام الراحة والنعماء مثل إنزال المن والسلوى وانفلاق البحر وتظليل الغمام.


الصفحة التالية
Icon