وحجة أبي مسلم : أن هذه الآية شبيهة بقوله تعالى :﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [ المنافقون : ١٠ ] ثم حكى الله سبحانه ما يقول الكفار في ذلك اليوم، فقال :﴿فَيَقُولُ الذين ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ واختلفوا في المراد بقوله :﴿أَخِّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ فقال بعضهم : طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرطوا فيه، وقال : بل طلبوا الرجوع إلى حال التكليف بدليل قولهم : نجب دعوتك ونتبع الرسل، وأما على قول أبي مسلم فتأويل هذه الآية ظاهر فقال تعالى مجيباً لهم :﴿أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ومعناه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى، وهو قوله تعالى :﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ﴾ [ النحل : ٣٨ ] إلى غير ذلك مما كانوا يذكرونه من إنكار المعاد فقرعهم الله تعالى بهذا القول لأن التقريع بهذا الجنس أقوى، ومعنى : ما لكم من زوال، لا شبهة في أنهم كانوا يقولون لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى، ومن هذه الدار إلى دار المجازاة، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت أو عن شباب إلى هرم أو عن فقر إلى غنى، ثم إنه تعالى زادهم تقريعاً آخر بقوله :﴿وَسَكَنتُمْ فِى مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ يعني سكنتم في مساكن الذين كفروا قبلكم، وهم قوم نوح وعاد وثمود، وظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، لأن من شاهد هذه الأحوال وجب عليه أن يعتبر، فإذا لم يعتبر كان مستوجباً للذم والتقريع.
ثم قال :﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ وظهر لكم أن عاقبتهم عادت إلى الوبال والخزي والنكال.