فإن قيل : ولماذا قيل :﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ ولم يكن القوم يقرون بأنه تعالى أهلكهم لأجل تكذيبهم ؟
قلنا : إنهم علموا أن أولئك المتقدمين كانوا طالبين للدنيا ثم إنهم فنوا وانقرضوا فعند هذا يعلمون أنه لا فائدة في طلب الدنيا، والواجب الجد والاجتهاد في طلب الدين، والواجب على من عرف هذا أن يكون خائفاً وجلاً فيكون ذلك زجراً له هذا إذا قرىء بالتاء أما إذا قرىء بالنون فلا شبهة فيه لأن التقدير كأنه تعالى قال : أولم نبين لكم كيف فعلنا بهم، وليس كل ما بين لهم تبينوه.
أما قوله :﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال﴾ فالمراد ما أورده الله في القرآن مما يعلم به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الإبتداء وقادر على التعذيب المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل، وذلك في كتاب الله كثير، والله أعلم.
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) ﴾
اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة عقابهم أتبعها بذكر كيفية مكرهم فقال :﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :
اختلفوا في أن الضمير في قوله :﴿وَقَدْ مَكَرُواْ﴾ إلى ماذا يعود ؟ على وجوه : الأول : أن يكون الضمير عائداً إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وهذا القول الصحيح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات.
والثاني : أن يكون المراد به قوم محمد ﷺ والدليل عليه قوله :﴿وَأَنذِرِ الناس﴾ [ إبراهيم : ٤٥ ] يا محمد وقد مكر قومك مكرهم وذلك المكر هو الذي ذكره الله تعالى في قوله :﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [ الأنفال : ٣٠ ] وقوله :﴿مَكْرَهُمْ﴾ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم.