فصل
قال الفخر :
ثم قال تعالى :﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى﴾
والمثل السوء عبارة عن الصفة السوء وهي احتياجهم إلى الولد، وكراهتهم الإناث خوف الفقر والعار :﴿ولله المثل الأعلى﴾ أي الصفة العالية المقدسة، وهي كونه تعالى منزهاً عن الولد.
فإن قيل : كيف جاء :﴿ولله المثل الأعلى﴾ مع قوله :﴿فلا تضربوا لله الأمثال ﴾.
قلنا : المثل الذي يذكره الله حق وصدق والذي يذكره غيره فهو الباطل، والله أعلم.
﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾
اعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم، بين أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة، إظهاراً للفضل والرحمة والكرم، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :
احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى :﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة﴾ من وجهين : الأول : أنه قال :﴿ولا يؤاخذ الله الناس بظلمهم﴾ فأضاف الظلم إلى كل الناس، ولا شك أن الظلم من المعاصي، فهذا يقتضي كون كل إنسان آتياً بالذنب والمعصية، والأنبياء عليهم السلام من الناس، فوجب كونهم آتين بالذنب والمعصية.
والثاني : أنه تعالى قال : ما ترك على ظهرها من دابة وهذا يقتضي أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم والذنب، حتى يلزم من إفناء كل ما كان ظالماً إفناء كل الناس.
أما إذا قلنا : الأنبياء عليهم السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم، وحينئذ لا يلزم من إفناء كل الظالمين إفناء كل الناس، وأن لا يبقى على ظهر الأرض دابة، ولما لزم علمنا أن كل البشر ظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك.