والجواب : ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال :﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾ [ فاطر : ٣٢ ] أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق، ولو كان المقتصد والسابق ظالماً لفسد ذلك التقسيم، فعلمنا أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال كل الخلق ظالمون.
وإذا ثبت هذا فنقول : الناس المذكورون في قوله :﴿ولو يؤاخذ الله الناس﴾ إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات.
وعلى هذا التقدير فيسقط الاستدلال. والله أعلم.
المسألة الثانية :
من الناس من احتج بهذه الآية على أن الأصل من المضار الحرمة، فقال : لو كان الضرر مشروعاً لكان إما أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاء على جرم صادر منهم أو لا على هذا الوجه، والقسمان باطلان، فوجب أن لا يكون مشروعاً أصلاً.
أما بيان فساد القسم الأول، فلقوله تعالى :﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة﴾ والاستدلال به نم وجهين : الأول : أن كلمة " لو " وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره.
فقوله :﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة﴾ يقتضي أنه تعالى ما أخذهم بظلمهم وأنه ترك على ظهرها من دابة.
والثاني : أنه لما دلت الآية على أن لازمة أخذ الله الناس بظلمهم هو أن لا يترك على ظهرها دابة، ثم إنا نشاهد أنه تعالى ترك على ظهرها دواب كثيرين، فوجب القطع بأنه تعالى لا يؤاخذ الناس بظلمهم، فثبت بهذا أنه لا يجوز أن تكون المضار مشروعة على وجه تقع أجزية عن الجرائم.