والثاني : أنه تعالى أشرك بين السمع والبصر وبين القلب في هذا الطبع ومعلوم من حال السمع والبصر أن مع فقدهما قد يصح أن يكون مؤمناً فضلاً عن طبع يلحقهما في القلب.
والثالث : وصفهم بالغفلة.
ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه، فثبت أن المراد بهذا الطبع السمة والعلامة التي يخلقها في القلب، وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الطبع والختم، وأقول هذه الكلمات مع التقريرات الكثيرة، ومع الجوابات القوية مذكورة في أول سورة البقرة وفي سائر الآيات فلا فائدة في الإعادة.
ثم قال تعالى :﴿وأولئك هُمُ الغافلون﴾ قال ابن عباس : أي عما يراد بهم في الآخرة.
ثم قال :﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الآخرة هُمُ الخاسرون﴾ واعلم أن الموجب لهذا الخسران هو أن الله تعالى وصفهم في الآيات المتقدمة بصفات ستة.
الصفة الأولى : أنهم استوجبوا غضب الله.
والصفة الثانية : أنهم استحقوا العذاب الأليم.
والصفة الثالثة : أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.
والصفة الرابعة : أنه تعالى حرمهم من الهداية.
والصفة الخامسة : أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
والصفة السادسة : أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة فلا جرم لا يسعون في دفعها، فثبت أنه حصل في حقهم هذه الصفات الستة التي كل واحد منها من أعظم الأحوال المانعة عن الفوز بالخيرات والسعادات، ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا ليكون كالتاجر الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة، فإذا حصلت هذه الموانع العظيمة عظم خسرانه، فلهذا السبب قال :﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الآخرة هُمُ الخاسرون﴾ أي هم الخاسرون لا غيرهم، والمقصود التنبيه على عظم خسرانهم، والله أعلم.
﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) ﴾
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :


الصفحة التالية
Icon