الفائدة الثانية : أن قوله :﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ يفيد الحصر ومعناه أنه ما أنزل لمقصود آخر سوى إظهار الحق وقالت المعتزلة، وهذا يدل على أنه ما قصد بإنزاله إضلال أحد من الخلق ولا إغواؤه ولا منعه عن دين الله.
الفائدة الثالثة : قوله :﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾ يدل على أن الإنزال غير النزول، فوجب أن يكون الخلق غير المخلوق وأن يكون التكوين غير المكون على ما ذهب إليه قوم.
الفائدة الرابعة : قال أبو علي الفارسي الباء في قوله :﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ بمعنى مع كما تقول نزل بعدته وخرج بسلاحه، والمعنى أنزلنا القرآن مع الحق وقوله :﴿وبالحق نَزَلَ﴾ فيه احتمالان، أحدهما : أن يكون التقدير نزل بالحق كما تقول نزلت بزيد وعلى هذا التقدير الحق محمد ﷺ لأن القرآن نزل به أي عليه.
الثاني : أن تكون بمعنى مع كما قلنا في قوله :﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ ثم قال تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا﴾ والمقصود أن هؤلاء الجهال الذين يقترحون عليك هذه المعجزات ويتمردون عن قبول دينك لا شيء عليك من كفرهم فإني ما أرسلتك إلا مبشراً للمطيعين ونذيراً للجاحدين فإن قبلوا الدين الحق انتفعوا به وإلا فليس عليك من كفرهم شيء.
ثم قال :﴿وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ﴾ وفيه مباحث :
البحث الأول : أن القوم قالوا : هب إن هذا القرآن معجز إلا أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة واحدة ليظهر فيه وجه الإعجاز فجعلوا إتيان الرسول بهذا القرآن متفرقاً شبهة في أنه يتفكر في فصل فصل ويقرأه على الناس فأجاب الله عنه بأنه إنما فرقه ليكون حفظه أسهل ولتكون الإحاطة والوقوف على دقائقه وحقائقه أسهل.