ثم قال تعالى :﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ وفيه مباحث :
البحث الأول : قوله :﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فيه أقوال.
الأول : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال كان رسول الله ﷺ يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله تعالى إليه :﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ فيسمع المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم :﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا تسمع أصحابك وابتغ بين ذلك سبيلا.
القول الثاني : روى أن النبي ﷺ طاف بالليل على دور الصحابة، وكان أبو بكر يخفي صوته بالقراءة في صلاته وكان عمر يرفع صوته، فلما جاء النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر لم تخفي صوتك ؟ فقال أناجي ربي، وقد علم حاجتي وقال لعمر لم ترفع صوتك ؟ فقال أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان فأمر النبي ﷺ أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً وعمر أن يخفض صوته قليلاً.
القول الثالث : معناه : ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار.
والقول الرابع : أن المراد بالصلاة الدعاء وهذا قول عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة ومجاهد قالت عائشة رضي الله عنها هي في الدعاء وروى هذا مرفوعاً أن النبي ﷺ قال في هذه الآية إنما ذلك في الدعاء والمسألة لا ترفع صوتك فتذكر ذنوبك فيسمع ذلك فتعير بها فالجهر بالدعاء منهى عنه والمبالغة في الإسرار غير جائزة والمستحب من ذلك التوسط وهو أن يسمع نفسه كما روي عن ابن مسعود أنه قال لم يخافت من أسمع أذنيه.
والقول الخامس : قال الحسن لا تراه بعلانيتها ولا تسىء بسريتها.
البحث الثاني : الصلاة عبارة عن مجموع الأفعال والأذكار والجهر والمخافتة من عوارض الصوت، فالمراد ههنا من الصلوات بعض أجزاء ماهية الصلاة وهو الأذكار والقرآن وهو من باب إطلاق اسم الكل لإرادة الجزء.


الصفحة التالية
Icon