ونظيره قوله :﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [ المؤمنون : ١١٧ ] واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية فقالوا : هذه الآية تدل على أن القول في الدين بغير علم باطل، والقول بالقياس الظني قول في الدين بغير علم فيكون باطلاً وتمام تقريره مذكور في قوله :﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [ الإسراء : ٣٦ ] وقوله :﴿وَلاَ لآبائهم﴾ أي ولا أحد من أسلافهم، وهذا مبالغة في كون تلك المقالة باطلة فاسدة.
النوع الثاني : مما ذكره الله في إبطاله قوله :﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ وفيه مباحث :
البحث الأول : قرىء :﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ بالنصب على التمييز وبالرفع على الفاعلية، قال الواحدي ومعنى التمييز أنك إذا قلت كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراء، فلما قلت كلمة ميزتها من محتملاتها فانتصبت على التمييز والتقدير كبرت الكلمة كلمة فحصل فيه الإضمار، أما من رفع فلم يضمر شيئاً كما تقول عظم فلان فلذلك قال النحويون والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل ما أكبرها كلمة.
البحث الثاني : قوله :﴿كَبُرَتْ﴾ أي كبرت الكلمة.
والمراد من هذه الكلمة ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله :﴿قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا﴾ فصارت مضمرة في كبرت وسميت كلمة كما يسمون القصيدة كلمة.
البحث الثالث : احتج النظام في إثبات قوله : أن الكلام جسم بهذه الآية قال : إنه تعالى وصف الكلمة بأنها تخرج من أفواههم والخروج عبارة عن الحركة ؛ والحركة لا تصح إلا على الأجسام.
والجواب أن الحروف إنما تحدث بسبب خروج النفس عن الحلق، فلما كان خروج النفس سبباً لحدوث الكلمة أطلق لفظ الخروج على الكلمة.