ثم التفت من الخطاب إلى التكلم فقال "فَأَخْرَجْنا بِهِ" بذلك الماء "أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى" ٥٣ مختلف اللون والطعم والرائحة والشكل والمنفعة "كُلُوا" أيها الناس ما تشهون منها "وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ" مما يصلح لها منه "إِنَّ فِي ذلِكَ" الذي ذكرته لكم "لَآياتٍ" عظيمات "لِأُولِي النُّهى " ٥٤ العقول تنهاهم عن عبادة غير الإله الواحد، وعن جحود البعث والنبوة، وتأمرهم بالإيمان بذلك.
وسمى العقل نهى لأنه ينهى صاحبه عما يضره مادة ومعنى، وعقلا لأن يعقل صاحبه عما نهى اللّه ورسوله، وحجى لأن يحاجج به ويدعم حجته لإلزام الخصم، وإدراكا لأن يدرك به الحسن من القبيح والضار من النافع، وحجرا لأنه يحجر صاحبه عن الوقوع في المهالك، والحجر بمعنى المنع.
مطلب لكل نفس حظ من نشأة آدم، وقبر الإنسان من محل الذرة التي خلق منها :
واعلموا أن هذه الأرض التي فيها منافعكم في الدين "مِنْها خَلَقْناكُمْ" أي خلقنا أصلكم آدم، لأنه من ترابها، أو لأن النطفة من الأغذية والأغذية من الأرض، فيشمل خلقكم منها أيضا أو من ضمن خلق آدم، لأن كل فرد من البشر له حظ من خلقه، لأن فطرته لم تقتصر عليه فهو أنموذج منطو على فطرة سائر البشر انطواء الجنس على أفراده انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل، فكان خلقه منها خلقا للكل، يشهد عليه قوله تعالى "فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ" الآية ٩٨ من ج ٢، راجع تفسير الآية ٩ من سورة مريم المارة في هذا البحث.
وقيل إن اللّه تعالى إذا أراد تكوين النطفة من الرحم أمر الملك الموكل بذلك أن يأخذ ذرة من التراب الذي تدفن فيه فيذرها في النطفة فتخلق منها ومن التراب قال تعالى (وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) الآية الأخيرة من سورة لقمان في ج ٢، لأنها لا تدري من أي ذرة من ذرات الأرض تكونت، وقيل في هذا المعنى :