وهنا فائدة وهي أن لك أن تقول من أين عرف السامري جبريل حتى وقع منه ما وقع ؟ فأذكر لك ما قاله السيد إسماعيل حقي في تفسيره الكبير روح البيان وهو أن أم السامري حملته سنة قتل الأولاد من قبل فرعون كسيدنا موسى عليه السلام، ولما وضعته خافت عليه الذبح فوضعته في غار وأطبقت عليه، وتركته فيه، فأمر اللّه جبريل عليه السلام أن يغذيه بأصابعه لبنا وعسلا وسمنا حتى نشأ
وصار من قوم موسى، واسمه موسى بن ظفر السامري وصار يظهر الإيمان بموسى ويبطن الكفر به حسدا له، ويرى جبريل حينما يأتي اليه لأنه يعرفه حق المعرفة لتوليه تربيته، فانظر رعاك اللّه إلى هذا الذي رباه جبريل أقرب المقربين إلى اللّه من الملائكة، والى موسى الذي رباه فرعون اكفر الكافرين باللّه، تقنع قناعة تامة أن لا حول للعبد عما قدره اللّه له أزلا، وقيل في هذين :
إذا المرء لم يخلق سعيدا تحيّرت عقول مربيه وخاب المؤمل
فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مرسل
والحكمة من تربيته إظهار ما وقع منه مما هو مقدر في الأزل الذي هو غيب عما سوى عالم الغيب، ليعلم الناس أن لا مضل لمن هداه اللّه، ولا هادي لمن أضلّه، وان ما يختص به بعض البشر من الأمور الدنيوية لا قيمة لها ولا تأثير لها في محو ما هو مكتوب، ولا إثبات ما هو ممحو، جفت الأقلام ورفعت الصحف بما هو كائن إلى يوم القيامة - راجع تفسير أول سورة نون المارة - قال تعالى "كَذلِكَ" مثل ما قصصنا عليك عجبا من أمر موسى وقومه والسامري مع قومه في غيابه "نَقُصُّ عَلَيْكَ" يا أكرم الرسل "مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ" من أحوال الأمم الخالية وأنبيائهم والحوادث التي جرت بينهم "وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً" ٩٩ كتابا فيه ذكر ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، فهو جدير أن تتذكر به وتذكر به قومك، وحقيق بأن يتفكر في معانيه من يتفكر، ويعتبر فيها من يعتبر.