ولعله هو من خصائص هذه الأمّة بدليل قوله رفع بما يدل على أن الأمم قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم يؤاخذون على ذلك كله، وأن هذه الآية خصت بالعفو عنها، إذ ما عموم إلّا وخصص، وقد خص الأنبياء بالمؤاخذة على أشياء لم تؤاخذ بها أممهم، ورحم اللّه القائل حسنات الأبرار سيئات المقربين "وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً" ١١٥ ثباتا وحزما على ما عهدنا به اليه، ولو صبر عما نهى عنه لكان من أولي العزم ولكن لم يرد اللّه منه ذلك، بل أراد ما وقع كما وقع "وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى " ١١٦ عن السجود راجع قصّته في الآية ١١ من الأعراف المارة (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) حسدا منه على ما أنعمنا به عليك فتحذر منه "فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى "
١١٧ أنت وزوجك وذريتك إذ يكون عيشك من كد يمينك وعرق جبينك، فتزرع وتحصد وتطحن وتعجن وتخبز بعد أن كنت في غنى عن هذه الأتعاب، ومن ضمن شقائك شقاء ذريتك من بعدك وزوجتك معك، لأن شقاء الرجل شقاء لأهله وسعادته سعادتهم، أسند جل شأنه الخروج إلى اللعين بسبب وسوسته لهما وقبولهما منه وإلا ففي الحقيقة هو الفاعل وحده، وانما يؤاخذ الفاعل على ما نهي عنه بقصده ورغبته وبما أوتي من عقله بلزوم اجتناب القبيح وعمل المليح، كما بيّنه في الآية ١٢٢ الآتية، ثم بين فوائد بقائه في الجنة بقوله عز قوله "إِنَّ لَكَ" يا آدم مادمت في الجنة "أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى " ١١٨ بل تأكل ما تشتهي وتلبس ما تريد بلا تعب ولا مشقة "وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى " ١١٩ بل تشرب أنواع الأشربة اللذيذة وتستظل بظل دائم لا ترى وهج الشمس ولا حرها، يقال ضحى الرجل إذا برز في الضحى فأصابته الشمس، قال عمرو بن ربيعة في هذا :