فيها وعصى آدم ربه ؟ قال له نعم، قال فهل تلومني على أني عملت عملا كتبه اللّه عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟ قال رسول اللّه فحج آدم موسى عليهما السلام.
قال أبو سليمان الخطابي : يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر من اللّه على معنى الأجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدّره، ويتوهم بعضهم أنه حجّ آدم موسى من هذه الوجهة، وليس كذلك، وانما معناه الإخبار عن تقدم علم اللّه بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم وصدورها على تقدير منه وخلقه لها خيرها وشرها.
والقدر أسم لما صدر مقدارا عن فعل القادر، والقضاء في هذا معناه الخلق، وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم اللّه فيهم لهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وممارستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم ارادة واختيار، لأن الزاني لا يزني إلا وهو راغب للزنا مختار فيه، والشارب لا يشرب إلا وهو راغب فيه، وهكذا، فكيف يكون ذلك جبرا.
أخزى اللّه المعاندين إذا فالحجة انما تلزمهم من هذا الوجه والملامة تلحقهم عليها منه، وجماع القول في هذا أن القضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمثابة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء، وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن اللّه تعالى قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم اللّه فيه وأن يبطله بعلّة ذلك، وإنما كان تناوله الثمر من الشجرة سببا لنزوله إلى الأرض التي خلق إليها، وأنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى وأوقع لائمة موسى على نفسه، ولذلك قال أتلومني على أمر قدره اللّه علي قبل أن أخلق بأربعين عاما ومن هنا حصل الاختلاف في عصمة الأنبياء.
مطلب في عصمة الأنبياء ووقتها فيهم :