وإذا كان كذلك وهو كذلك فلم لا تقول إن ما وقع من آدم كان قبل النبوة، وأن اللّه تعالى قبل توبته وشرّفه بالنبوة والرسالة، فتطمئن وتنفي الشك من النفوس الخبيثة وتروضها على الطهارة والفضيلة وتنزه الأنبياء العظام عما لا يليق بمكانتهم، فتحصل رضاء اللّه تعالى، لأن رضاء الأنبياء في رضائه، ولا توقع نفسك بسبب الوهم والشك بالهلاك بسبب ما تصمهم به مما ليس فيهم، فتستوجب سخط اللّه باختيارك ورضاك ؟ قال القاضي عياض قد أخبر اللّه بعذره فقال "وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً" أي نسي عداوة إبليس له فقبل نصحه ونسي ما عهد اليه بشأنها وشأن الشجرة ولم ينو المخالفة ولم يستعملها، ولكنه اغتر بحلف إبليس وظن أن أحدا لا يحلف باللّه كذبا وتأول أن المأكول منها غير المنهي عنها وإذا قلت حينئذ (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم، فلو لم يكن لهم ذنوب فكيف يتوبون ويستغفرون، فأقول بما أن درجة الأنبياء في الرفعة والعلوّ والمعرفة باللّه وسنة عباده وعظيم سلطانه وقوة بطشه مما يحملهم على شدة الخوف منه جل جلاله أو الإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وأن تصرفهم بأمورهم ما لم ينهوا عنه ولم يؤمروا به وقد أتوه على وجه التأويل والسهو، وقد تزودوا من الدنيا وأمورها المباحة، فأوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها، فهم خائفون وجلون على أنها تسمى ذنوبا بالإضافة إلى سمو منصبهم وعلو مكانتهم، ومعاص بالنسبة لكمال طاعتهم وتمام انقيادهم إلى ربهم، لأنها ذنوب كذنوب غيرهم التي يأتونها رغبة بلا تأويل، وحاشاهم من ذلك، وحاشاهم مما هنا لك.


الصفحة التالية
Icon