فصل
قال الفخر :
﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) ﴾
اعلم أن هذا هي المرة السادسة من قصة آدم عليه السلام في القرآن : أولها في سورة البقرة ثم في الأعراف ثم في الحجر ثم في الإسراء ثم في الكهف، ثم ههنا.
واعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً.
أحدها : أنه تعالى لما قال :﴿كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [ طه : ٩٩ ] ثم إنه عظم أمر القرآن وبالغ فيه ذكر هذه القصة انجازاً للوعد في قوله :﴿كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ﴾.
وثانيها : أنه لما قال :﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ [ طه : ١١٣ ] أردفه بقصة آدم عليه السلام كأنه قال : إن طاعة بني آدم للشيطان وتركهم التحفظ من وساوسه أمر قديم فإنا قد عهدنا إلى آدم من قبل أي من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد وبالغنا في تنبيهه حيث قلنا :﴿إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ ثم إنه مع ذلك نسي وترك ذلك العهد فأمر البشر في ترك التحفظ من الشيطان أمر قديم.
وثالثها : أنه لما قال لمحمد ﷺ :﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [ طه : ١١٤ ] ذكر بعده قصة آدم عليه السلام فإنه بعدما عهد الله إليه وبالغ في تجديد العهد وتحذيره من العدو نسي، فقد دل ذلك على ضعف القوة البشرية عن التحفظ فيحتاج حينئذ إلى الاستعانة بربه في أن يوفقه لتحصيل العلم ويجنبه عن السهو والنسيان.