ورابعها : أن محمداً ﷺ لما قيل له :﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [ طه : ١١٤ ] دل على أنه كان في الجد في أمر الدين بحيث زاد على قدر الواجب فلما وصفه بالإفراط وصف آدم بالتفريط في ذلك فإنه تساهل في ذلك ولم يتحفظ حتى نسي فوصف الأول بالتفريط والآخر بالإفراط ليعلم أن البشر لا ينفك عن نوع زلة.
وخامسها : أن محمداً ﷺ لما قيل له :﴿وَلاَ تَعْجَلْ﴾ ضاق قلبه وقال في نفسه : لولا أني أقدمت على ما لا ينبغي وإلا لما نهيت عنه فقيل له : إن كنت فعلت ما نهيت عنه فإنما فعلته حرصاً منك على العبادة، وحفظاً لأداء الوحي وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي للتساهل وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره، أما قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدَمَ من قَبْلُ﴾ فلا شك أن المراد بالعهد أمر من الله تعالى أو نهي منه كما يقال في أوامر الملوك ووصاياهم أشار الملك إليه وعهد إليه.
قال المفسرون : عهدنا إليه أن لا يأكل من الشجرة ولا يقربها، وفي قوله تعالى :﴿مِن قَبْلُ﴾ وجوه.
أحدها : من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد في القرآن.
وثانيها : قال ابن عباس : من قبل أن يأكل من الشجرة عهدنا إليه أن لا يأكل منها.
وثالثها : أي من قبل محمد ﷺ والقرآن وهو قول الحسن، أما قوله :﴿فَنَسِىَ﴾ فقد تكلمنا فيه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة، ونعيد ههنا منه شيئاً قليلاً، وفي النسيان قولان : أحدهما : المراد ما هو نقيض الذكر، وإنما عوتب على ترك التحفظ والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان، وكان الحسن رحمه الله يقول : والله ما عصى قط إلا بنسيان.