وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾
هذا تسلية للنبي ﷺ وتعزية له.
يقول : إن استهزأ بك هؤلاء، فقد استهزىء برسل من قبلك، فاصبر كما صبروا.
ثم وعده النصر فقال :﴿ فَحَاقَ ﴾ أي أحاط ودار ﴿ بالذين ﴾ كفروا و﴿ سَخِرُواْ مِنْهُمْ ﴾ وهزءوا بهم ﴿ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي جزاء استهزائهم.
قوله تعالى :﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم ﴾ أي يحرسكم ويحفظكم.
والكلاَءة الحراسة والحفظ ؛ كلاه الله كِلاَء ( بالكسر ) أي حفظه وحرسه.
يقال : اذهب في كِلاءة الله ؛ واكتلأت منهم أي احترست، قال الشاعر هو ابن هَرْمة :
إنّ سليمى واللَّهُ يَكلأُهَا...
ضنَّت بشيء ما كان يَرْزَأُها
وقال آخر :
أَنَخْتُ بَعيرِي وَاكْتَلأْتُ بعَيْنِهِ...
وحكى الكسائي والفراء "قُلْ مَنْ يَكْلَوْكُمْ" بفتح اللام وإسكان الواو.
وحكيا "مَنْ يَكْلاَكُمْ" على تخفيف الهمزة في الوجهين، والمعروف تحقيق الهمزة وهي قراءة العامة.
فأما "يَكْلاَكُمْ" فخطأ من وجهين فيما ذكره النحاس : أحدهما : أن بدل الهمزة إنما يكون في الشعر.
والثاني : أنهما يقولان في الماضي كَلَيْتُه، فينقلب المعنى ؛ لأن كَلَيته أوجعت كليته، ومن قال لرجل : كَلاَك الله فقد دعا عليه بأن يصيبه الله بالوجع في كُلْيته.
ثم قيل : مخرج اللفظ مخرج الاستفهام والمراد به النفي.
وتقديره : قل لا حافظ لكم ﴿ بالليل ﴾ إذا نمتم ﴿ و﴾ ب ﴿ بِالنَّهَارِ ﴾ إذا قمتم وتصرفتم في أموركم.
﴿ مِنَ الرحمن ﴾ أي من عذابه وبأسه ؛ كقوله تعالى :﴿ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ الله ﴾ [ هود : ٦٣ ] أي من عذاب الله.
والخطاب لمن اعترف منهم بالصانع ؛ أي إذا أقررتم بأنه الخالق، فهو القادر على إحلال العذاب الذي تستعجلونه.
﴿ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ ﴾ أي عن القرآن.
وقيل : عن مواعظ ربهم.
وقيل : عن معرفته.
﴿ مُّعْرِضُونَ ﴾ لاهون غافلون.


الصفحة التالية
Icon