قال صاحب الجمل على الجلالين هذا تقسيم على سبيل التسمح فإن كلّ مضغة تكون أولا غير مخلقة ثم تصير مخلقة ولو جاء النظم هكذا ثم من نطفة غير مخلقة ثم من نطفة مخلقة لكان أوضح.
ثم قال وكان مقتضى الترتيب السّابق المبني على التدريج من المبادئ البعيدة على القريبة أي تقديم غير المخلقة على المخلقة.
وهذه جرأة عظيمة منه وهفوة كبيرة كما وقع مثل هذا وأعظم من الخطيب الشّربيني في تفسير الآية ٦٥ من سورة يونس في ج ٢ عفا اللّه
عنهما وبصرنا بعيوبنا "لِنُبَيِّنَ لَكُمْ" أيها النّاس كمال قدرتنا وبالغ حكمتنا ولتعلموا أن من يقدر على هذا الخلق ابتداء يقدر على الاعادة لا محالة "وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ" من هذه النّطفة المخلقة فنبقيها فيه ونحفظها ونربتيها "إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى" عندنا فنسقط منها ما نشاء حسبما اقتضته حكمتنا قبل تمام خلقه ونبقي منها ما نريد بمقتضى إرادتنا "ثُمَّ" تقضي قدرتنا الأزلية با كماله وبعد تمام الأجل المقدر له من علمنا "نُخْرِجُكُمْ" من بطون أمهاتكم بواسطة وبغير واسطة "طِفْلًا" ولا تزالون برعايتنا حتى تشبّوا "ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ" من كمال العقل والقوة والتميز وأنتم بأعيننا "وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى" قبل ذلك "وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ" وهو حالة الهرم والخوف، ومنكم من يعمر كثيرا وهو مالك لحواسه كافة، عالم ما علمه، كالأنبياء وبعض العلماء والعارفين، لأنهم لا يتناولهم النقص
أما غيرهم فقد يرجعون لحالة الطّفولة "لِكَيْلا يَعْلَمَ" شيئا "مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ" كان يعلمه قبل الكبر "شَيْئاً" أبدا لأنه ينساه ولا يخطر بباله حيث يفقد العقل والتمييز، راجع نظير هذه الآية الآية ٧١ من سورة النحل في ج ٢ ونظيرتها الآية ٦٨ من سورة يس في ج ١ تجد ما به الكفاية في هذا الشّأن.


الصفحة التالية
Icon