هذا، وما قاله بعض المفسرين من أن هذه الآيات نزلت في النّضر وأبي جهل أراد أن شبهها نزل فيها في مكة، وإن هذه الآيات نزلت في المدينة تبعا لسورتها حكاية عن تلك الآيات المكيات وقد تلاها حضرة الرّسول على أهل المدينة بيانا لحال أولئك الكفرة لا إنها نزلت فيها ثانيا، لأنهم قتلوا قبل نزولها، ولأن شيئا من القرآن لم ينزل مرتين كما ذكرناه غير مرة وأوضحناه في سورة الفاتحة ج ١، ولهذا قال بعضهم إنها مكيات.
قال تعالى
"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ" وطرف من الدّين لا في وسطه وقلبه، لأن الإيمان إذا لم يتغلغل في القلب ولم يذق صاحبه
حلاوته ولم تخالط بشاشته الفؤاد كان دخوله فيه من غير عقيدة راسخة ولا رغبة كاملة ومحبة صادقة، وكان شاكا مترددا دخله على طريق التجربة "فَإِنْ أَصابَهُ" حال تلبسه فيه "خَيْرٌ" من سعة وصحة وولد وجاه "اطْمَأَنَّ بِهِ" بسبب الخير الذي رآه بدخوله فيه "وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ" من فقر أو مرض أو عقر أو حقارة "انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ" القهقرى وارتد كافرا تشاؤما منه، ولهذا جعل اللّه مثله مثل المتحيّر المضطرب، ومن كان هذا شأنه في الدّين "خَسِرَ الدُّنْيا" ففاته عزّها وكرامتها وأهين بالجلاء والأسر والسّبي والقتل أو بالجزية والمذلة "وَالْآخِرَةَ" خسرها أيضا لأنه لم يعدّ لها شيئا من الأعمال الصّالحة والأقوال والنّيات الحسنة "ذلِكَ" خسران الدّارين "هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ" (١١) الذي لا يخفى على أحد لشدة ظهوره فقيه النّدامة الفارغة والحسرة المحرقة والأسف العقيم.
وقرئ خسر بالفتح على الحال، وقرئ خاصر بالضم على الفاعلية، ومثل هذه القراءة التي لا زيادة فيها ولا نقص جائزة إذ لا شيء فيها سوى مد الخاء، وأن المد والقصر والإدغام والفك جائز، والمد قد يستعاض عنه بالفتحة القائمة كما في رسم بعض المصاحف، تدبر.