ومما يدل على بعد الشّقة قوله "يَأْتِينَ" تلك الإبل الضّوار بركابها "مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (٢٧) طريق بعيد والفج الطّريق في الجل وغلب على غيره وعمقه بنسبة علو الجبل المنشق منه عن يمينه وشماله، وهؤلاء المدعون يأتون لهذا البيت "لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ" دينية ودنيوية مختصة في هذا البيت لا يشهدونها في غيره ولا توجد إلّا به، راجع الآيتين ١٥٨ و٩٦ من سورة البقرة والآية ٩٧ من آل عمران المارات "وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ" على ما سينحرونه من الهدى "فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ" ويكبرون عليها إذا أريد ذبحها يوم النّحر وأيّام التشريق بدليل قوله تعالى "عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ"
أضحية وهديا، وإذا فعلتم هذا أيها النّاس امتثالا لأمري "فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ" (٢٨) الذي لا شيء عنده.
كانت العرب في الجاهلية لا تأكل لحوم ضحاياها وهداياهم، فأمر اللّه تعالى بمخالفتهم وأباح لعباده الأكل منها، أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه في قصة حجة الوداع قال وقدم علي كرم اللّه وجهه ببدن من اليمن وساق رسول اللّه مئه بدنة فنحر منها ثلاثا وستين بيده الشريفة صلّى اللّه عليه وسلم، ونحر عليّ ما نحر أي ما بقي، وأشركه في بدنه، وفي عدد ما نحره صلّى اللّه عليه وسلم إشارة إلى مدة حياته إذ توفي في الثالثة والسّتين من عمره، وفي هذا يعلم أن حضرة الرّسول قد أعطى من القوة ما لم يعطها غيره قط، لأن أحدا لا يقدر على نحر عشر من الإبل دفعة واحدة، فهو أكمل الخلق مادة ومعنى وخلقا وخلقا وقلبا وقالبا وروحا وجسما.
ثم أمر من كلّ بدنة ببضعة أي قطعة فجعلت في قدر وطبخت، فأكل منها وشرب من مرقها، مما يدل على جواز الأكل من لحوم الأضحية دون قيد أو شرط.


الصفحة التالية
Icon