قال تعالى (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها) الآية ١٠٧ من البقرة المارة "وَادْعُ" يا سيد الرّسل جميع النّاس إلى شريعتك هذه، لأنا أرسلناك إليهم كافة، راجع الآية ٣٩ من سورة سبأ ج ٢ وما ترشدك إليه من المواقع وأمر النّاس كافة بالإخلاص "إِلى رَبِّكَ" بان يطيعوك ويعملوا بما أنزل عليك وعزتي وجلالي "إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ" (٦٧) وهم على ضلال معوج في نزاعك "وَإِنْ جادَلُوكَ" بعد ما تبين لهم هداك وأصروا على منازعتك في أمر الدّين "فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ" (٦٨) من مخالفتي مع علمكم أني على الحق، وإذا أصروا على جدالهم فأعرض عنهم، وقل "اللَّهُ يَحْكُمُ" بَيْنَكُمْ" وبيننا وبين الخلق أجمع "يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (٦٩) وإذ ذاك يظهر المحق من المبطل.
ولا نسخ في هذه الآية لأن اللّه تعالى لم يأمر نبيه بقسر أهل الكتابين على قبول دينه، بل بالاكتفاء بأخذ الجزية منهم وقد ضربها عليهم ولم تزل تؤخذ منهم إلى يوم القيامة، لأن الأتراك المسلمين لا يزالون يتقاضونها منهم، وهكذا بعض ملوك المسلمين، أما ما يقع
في تنفسات الزمن من إعفاء بعضهم من ذلك وحمايتهم من قبل الغير فلما انقضاء عند ما يعود المسلمون إلى التمسك بدينهم وينبذون التقاليد الأجنبية ويوحدون كلمتهم.
قال تعالى "أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ" كلية
وجزئية جلية وخفية "إِنَّ ذلِكَ" العلم مثبت "فِي كِتابٍ" عظيم عند اللّه تعالى هو الوجه المكنون الحاوي على ما كان وسيكون قبل كونه "إِنَّ ذلِكَ" العلم العظيم جميعه "عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" (٧) سهل كعلم شيء واحد