قال تعالى "وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ" عند سماع تلاوتها أي تظهر على وجوههم علائم الكراهة فتراها عابسة مكفهرّة "يَكادُونَ يَسْطُونَ" يثبون ويبطشون "بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا" أي بمحمد وأصحابه من شدة الغيظ والحنق عليهم، وهذه حكاية حال من أحوال بعض الكفرة المشركين وكفرة أهل الكتابين القائلين بنبوة عزير وعيسى وآلهتهما والملائكة وكونه ثالث ثلاثة "قُلْ" لهم يا سيد الرّسل "أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ" لكم "مِنْ ذلِكُمُ" الخير الذي تكرهونه الآن وتعرضون عن سماعه هو "النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا" أمثالكم فهي مصيركم ومصيرهم "وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" (٧٢) هي لمن يصير إليها "يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ" حال مستغربة جديرة بأن تسمى مثلا تشبها ببعض الأمثال السّائرة "فَاسْتَمِعُوا لَهُ" وأصغوا إليه وتدبروه واعقلوه، وهو أن المشركين جعلوا لي شبيبة إليه إذ قد "ضَعُفَ الطَّالِبُ" الذباب السّالب "وَالْمَطْلُوبُ" ٧٣ المسلوب منه وهي أوثانهم لأن منها ما هو جماد وهو أضعف من الذباب بدرجات كثيرة وعابدوها أجهل من كلّ جاهل داخل من كلّ مثال، لأن الذي لا يحمي نفسه من الذباب كيف تطلب منه الحماية، وكيف يعبد، وكيف يرجى منه جلب نفع أو دفع ضر ؟ وإن كان حيوانا فهو كذلك أيضا بل أكثر شرا لاحتياجه للأكل والشّرب والحراسة، وإن كان إنسانا فكذلك، لأنه لا يقدر أن يحرس نفسه من أقدار اللّه ولا يتحرك إلّا بإذن اللّه وإرادته، وهو متبرئ من عبادتهم، وان اللّه خالقهم وخالق كلّ شيء، أفلا يعبدونه مع كمال عظمته وبالغ قدرته ويركنون إليه عند حاجتهم في الشّدة والرّخاء، ولهذا فاتركهم يا سيد الرّسل فإنهم جهال "ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ" ولا عرفوه حق معرفته ولا مجدوه حق تمجيده وما علموا


الصفحة التالية
Icon