ولما تم هذا الدليل على الساعة محكم المقدمات واضح النتائج، وكان أول الإيجاد فيه غير مشاهد فعبر عنه بما يليق به، أتبعه دليلاً آخر محسوساً، وعطفه على ما أرشد إليه التقدير من نحو قوله : تجدون أيها الناس ما ذكرناه في أنفسكم، فقال :﴿وترى﴾ فعبر بالرؤية ﴿الأرض﴾ ولما كان في سياق البعث، عبر بما هو أقرب إلى الموت فقال :﴿هامدة﴾ أي يابسة مطمئنة ساكنة سكون الميت ليس بها شيء من نبت، ولعله أفرد الضمير توجيهاً إلى كل من يصلح أن يخاطب بذلك ﴿فإذا﴾ أي فننزل عليها ماء من مكان لا يوجد فيه ثم ينزل منه إلا بقدرة عظيمة وقهر باهر، فإذا ﴿أنزلنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿عليها الماء اهتزت﴾ أي تحركت بنجوم النبات اهتزاز الحي، وتأهلت لإخراجه ؛ قال الرازي : والاهتزاز : شدة الحركة في الجهات المختلفة.
﴿وربت﴾ أي انتفخت، وذلك أول ما يظهر منها للعين وزادت ونمت بما يخرج منها من النبات الناشىء عن التراب والماء ﴿وأنبتت﴾ بتقديرنا ﴿من كل زوج﴾ أي صنف عادلناه بصنف آخر جعلناه تمام نفعه به ﴿بهيج﴾ أي مؤنق من أشتات النباتات في اختلاف ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها، ومنافعها ومقاديرها رائقة المناظر، لائقة في العيون والبصائر، قال الرازي : فكما أن النبات يتوجه من نقص إلى كمال، فكذلك الآدمي يترقى من نقص إلى كمال، ففي المعاد يصل إلى كماله الذي أعد له من البقاء والغنى والعلم والصفاء والخلود، أي السعيد منه في دار السلام مبراً عن عوارض هذا العالم - انتهى. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٥ صـ ١٣٢ ـ ١٣٥﴾


الصفحة التالية
Icon