قال تعالى "أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ" أي ليس الأمر كما يقولون إن ما جاءهم به عبارة عن سحر وكهانة وغيرهما، وإنما "جاءَهُمْ بِالْحَقِّ" الذي لا محيد عنه وهو التوحيد للإله ودين الإسلام ودين إبراهيم عليه السلام الذي تضمنته تلك الآيات الدالة على صدقه وأمانته، وقد اشتهر عندهم بالأمين "وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ" ٧٠ لأن جبلّتهم مطبوعة على الكذب، وطبيعتهم مجبولة على الزيغ، وإنما قال أكثرهم لأن منهم من يعرف أحقية ذلك كله، وإنما لم يعترف به حذرا من تعيير قومه لا كراهة به، وعليه فيكون أقلهم تاركا للإيمان أنفة واستكبارا عنه وخوفا من توبيخ قومه، وأن يقولوا له صبوت أي تركت دين آبائك، وانك احتجت لطعام محمد وغير ذلك مما مر في الآية ١٤ من سورة فصلت المارة، كراهة لحضرته المقدسة تبعا لأهوائهم "وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ" فيما يعتقدون من الشرك وغيره "لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ" وهذه الآية قريبة في المعنى لقوله تعالى (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) الآية ٢٢ من
سورة الأنبياء المارة "وَمَنْ فِيهِنَّ" لفسد أيضا، وقد خص العقلاء لأن غيرهم تبع لهم، وهذا أيضا انتقال التوبيخ خامس.
قال تعالى "بَلْ" لم نتّبع أهواءهم ولكن "أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ" قرآنهم على يد رسولهم، وقد أضافه إليهم لأنه منزل لهم "فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ" المختص بهم "مُعْرِضُونَ" ٧١ وهو فخرهم وشرفهم، قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) الآية ٤٤ من الزخرف المارة، وفيها معنى الاستفهام، أي المعرضون عن ذكرهم الذي آتيناه إباهم وهو مجدهم وعزهم، كيف يكون ذلك منهم بل يجب أن يتمسكوا به ويعضوا عليه بالنواجذ، لا أن يعرضوا عنه، وهذا انتقال سابع لتوبيخ آخر.


الصفحة التالية
Icon