ولما ساق سبحانه هذين الدليلين على القدرة على البعث، أتبعهما بما هو من جنسهما ومشاكل للأول منهما، وهو مع ذلك دليل على ختام الثاني من أنه من أجلّ النعم التي يجب شكرها، فقال :﴿وأنزلنا﴾ أي بعظمتنا ﴿من السماء﴾ أي من جهتها ﴿ماء بقدر﴾ لعله - والله أعلم - بقدر ما يسقي الزروع والأشجار، ويحيي البراري والقفار، وما تحتاج إليه البحار، مما تصب فيها الأنهار، إذ لو كان فوق ذلك لأغرقت البحار الأقطار، ولو كان دون ذلك لأدى إلى جفاف النبات والأشجار ﴿فأسكنّاه﴾ بعظمتنا ﴿في الأرض﴾ بعضه على ظهرها وبعضه في بطنها، ولم نعمها بالذي على ظهرها ولم نغور ما في بطنها ليعم نفعه وليسهل الوصول إليه ﴿وإنا﴾ على ما لنا من العظمة ﴿على ذهاب به﴾ أي على إذهابه بأنواع الإذهاب بكل طريق بالإفساد والرفع والتغوير وغير ذلك، مع إذهاب البركة التي تكون لمن كنا معه ﴿لقادرون﴾ قدرة هي في نهاية العظمة، فإياكم والتعرض لما يسخطنا.
ولما ذكر إنزاله، سبب عنه الدليل القرب على البعث فقال :﴿فأنشأنا﴾ أي فأخرجنا وأحيينا ﴿لكم﴾ خاصة، لا لنا ﴿به﴾ أي بذلك الماء الذي جعلنا منه كل شيء حي ﴿جنات﴾ أي بساتين تجن - أي تستر - داخلها بما فيها ﴿من نخيل وأعناب﴾ صرح بهذين الصنفين لشرفهما، ولأنهما أكثر ما عند العرب من الثمار، سمي الأول باسم شجرته لكثرة ما فيهما من المنافع المقصودة بخلاف الثاني فإنه المقصود من شجرته ؛ وأشار إلى غيرهما بقوله :﴿لكم﴾ أي خاصة ﴿فيها﴾ أي الجنات ﴿فواكه كثيرة﴾ ولكم فيها غير ذلك.
ولما كان التقدير : منها - وهي طرية - تتفكهون، عطف عليه قوله :﴿ومنها﴾ أي بعد اليبس والعصر ﴿تأكلون﴾ أي يتجدد لكم الأكل بالادخار، ولعله قدم الظرف تعظيماً للامتنان بها. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٥ صـ ١٨٩ ـ ١٩١﴾