أما قوله تعالى :﴿إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ فقوله :﴿سَاءتْ﴾ في حكم بئست وفيها ضمير مبهم تفسيره ( مستقراً )، والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقراً ومقاماً هي ( وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبراً، لها، ويجوز أن يكون ساءت بمعنى أحزنت، وفيها ضمير اسم إن ) ومستقراً حال أو تمييز، فإن قيل دلت الآية على أنهم سألوا الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين : إحداهما أن عذابها كان غراماً، وثانيهما : أنها ساءت مستقراً ومقاماً، فما الفرق بين الوجهين ؟ وأيضاً فما الفرق بين المستقر والمقام ؟ قلنا المتكلمون ذكروا أن عقاب الكافر يجب أن يكون مضرة خالصة عن شوائب النفع دائمة، فقوله :﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ إشارة إلى كونه مضرة خالصة عن شوائب النفع، وقوله :﴿إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ إشارة إلى كونها دائمة، ولا شك في المغايرة، أما الفرق بين المستقر والمقام فيحتمل أن يكون المستقر للعصاة من أهل الإيمان فإنهم يستقرون في النار ولا يقيمون فيها، وأما الإقامة فللكفار، واعلم أن قوله :﴿إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ يمكن أن يكون من كلام الله تعالى ويمكن أن يكون حكاية لقولهم.
الصفة الخامسة : قوله :﴿والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ قرىء ﴿يَقْتُرُواْ﴾ بكسر التاء وضمها ويقتروا بضم الياء وتخفيف القاف وكسر التاء وأيضاً بضم الباء وفتح القاف وكسر التاء وتشديدها وكلها لغات.
والقتر والإقتار والتقتير التضييق الذي هو نقيض الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة.
وذكر المفسرون في الإسراف والتقتير وجوهاً : أحدها : وهو الأقوى أنه تعالى وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير وبمثله أمر رسوله ﷺ بقوله :