ثم ان رجلين أحدهما من الأنصار تهاجيا فيما بينهما ومع كل واحد غواة من قومه، فأنزل اللّه فيهم "وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ" ٢٢٤ المغالون في الكذب والباطل وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ومدح من لا يستحق المدح وذم من لا يستوجب الذم، يعني أن هذا الذي يقوله هؤلاء لا يستحسنه إلا المتوغلون في الضلالة المنهمكون في الغواية، "أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ" ٢٢٥ فيتحدثون في جميع أنواع الكلام وأبوابه مما مصدره اللغو في الباطل ويخوضون بما فيه الكذب والزور من البهت والافتراء، والهائم هو الذاهب على وجهه بلا قصد معين وهذا تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول، فتراهم يفضلون الجاهل على العالم، والجبان على الشجاع، والبخيل على الكريم، والكاذب على الصادق، والخائن على الأمين، والقبيح على الصبيح، والرذيل على الجميل لأدنى لفتة من وجيه أو دانق من مال، فلهذا تراهم حائرين، وعن الطريق السوي حائدين، ولسبل الضلال رائدين، سمع سليمان بن عبد الملك قول الفرزدق :
فبتن بجانبيّ مضرجات وبت أفض أختام الحنان
فجاء به وقال وجب عليك الحد، قال ولم ؟ قال لقولك هذا، قال قد درأه عني ربي.
قال وبم ؟ قال بقوله عز وجل "وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ" ٢٢٦ حيث وصفهم بالكذب وخلف القول والوعد، وان قولهم بهت، لأنه مباين
لفعلهم.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يرثيه خير له من أن يمتلىء شعرا.
ومعنى يرئيه يبلغ الرئة محل التنفس من الحلقوم، كناية عن شدة الامتلاء.
واعلم ان القول بخلاف العمل مذموم ليس بالشعر فقط والشعراء بل في جميع القول والناس كافة، قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ.


الصفحة التالية
Icon