و الإمام الثاني مالك بن أنس ولد سنة ٩٥ بالمدينة وتوفي سنة ١٧٩ ودفن فيها، والإمام الرابع أحمد بن حنبل ولد سنة ١٦٤ في بغداد وتوفي سنة ٢٤١ ودفن غربي دجلة في بغداد، وكلهم رضي اللّه عنهم نزار قبورهم ويتبرك بهم، نفعنا اللّه بهم وبعلومهم وجعلنا من أتباعهم، لأنهم عبدوا اللّه كثيرا "وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً" فلم يشغلهم شاغل من الشعر والعلم والعمل وغيرها عن ذكر اللّه، حتى أنهم ختموا أقوالهم وأشعارهم بذكر اللّه وخرّجوها بمدح الرسول، "وَانْتَصَرُوا" ممن اعتدى عليهم بفضل اللّه وكرمه "مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا" بأنواع العداء والهجاء والسخرية والاستهزاء "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا" من هؤلاء الكفرة وغيرهم المار ذكرهم في الآية ٢٣ المارة فما بعدها "أَيَّ مُنْقَلَبٍ" مرجع فظيع ومصير قبيح "يَنْقَلِبُونَ" ٢٢٧ إليه بعد الموت، وبئس المنقلب منقلبهم، لأنه جهنم، أما المؤمن فنعم المنقلب منقلبه، لأنه الجنة إن شاء اللّه، ختم اللّه تعالى هذه السورة الكريمة بما يقطع أكباد المنذرين في هذه الآية العظيمة، لما فيها من الوعيد الشديد، والتهديد المهول الذي لم يبينه اللّه، وفي إبهامه دلالة على فظاعته، والإبهام في الشيء أشد بلاغة من الإظهار، ولهذا فإن أبا بكر لما عهد إلى عمر رضي اللّه عنهما بالخلافة ختم عهده إليه بها، وهذه صورة العهد حرفيا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذا ما عهد به أبو بكر بن قحافة عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن بها الكافر ويتقي فيها الفاجر ويصدق فيها الكاذب إني استخلفت عليكم عمر ابن الخطاب فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه وإن يجر ويبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت ولكل امرى مما اكتسب وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) هذا، وإن السلف الصالح يعظ بعضهم بعضا في هذه الآية الجليلة المهيبة، و