ولما أوقف السامعين بما خيلهم به من هذا الباطل المعلوم البطلان لكل ذي بصيرة، أكد المنع بالتهديد فقال :﴿فلسوف تعلمون﴾ أي ما أفعل بكم، أي فتسبب عما فعلتم أني أعاقبكم عقوبة محققة عظيمة، وأتى بأداة التنفيس خشية من أن لا يقدر عليهم فيعلم الجميع عجزه فيؤمنوا، مع ما فيها في الحقيقة على السحرة من التأكيد في الوعيد الذي لم يؤثر عندهم في جنب ما أشهدهم الله من الآية التي مكنتهم في مقام الخضوع ؛ ثم فسر ما أبهم بقوله :﴿لأقطعن﴾ بصيغة التفعيل لكثرة القطع والمقطوعين ﴿أيديكم وأرجلكم﴾ ثم بين كيفية تقطيعها فقال :﴿من خلاف﴾ وزاد في التهويل فقال :﴿ولأُصلبنكم أجمعين﴾ ثم استأنف تعالى حكاية جوابهم بقوله :﴿قالوا ﴾.
ولما كان قد تقدم هنا أنهم أثبتوا له عزة توجب مزيد الخوف منه، حسن قولهم :﴿لا ضير﴾ أي لا ضرر أصلاً علينا تحصل به المكنة منا فيما هددتنا به، بل لنا في الصبر عليه إن وقع أعظم الجزاء من الله، ورد النفي الشامل في هذه السورة إيذاناً بأنه لم يقدر فرعون على عذابهم، تحقيقاً لما في أول القصة من الإشارة إلى ذلك ب ﴿كلا﴾ و ﴿مستمعون﴾ فإن الإمكان من تابعي موسى عليه السلام يؤذيه ويضيق صدره، ولما يأتي من القصص من صريح العبارة في قوله ﴿أنتما ومن اتبعكما الغالبون ﴾.
ثم عللوا ذلك بقولهم :﴿إنا﴾ أي بفعلك ذلك فينا إن قدرك الله عليه ﴿إلى ربنا﴾ أي المحسن إلينا وحده ﴿منقلبون﴾ أي ولا بد لنا من الموت، فلنكن على ما حكم به ربنا من الحالات، وإنما حكمك على هذا الجسد ساعة من نهار، ثم لا حكم على الروح إلا الله الذي هو جدير بأن يثيبنا على ذلك نعيم الأبد.