ولما دعا إلى الله تعالى بما لا خلل فيه، فعلموا أنهم عاجزون عن الطعن في شيء منه، عدلوا إلى التخييل على عقول الضعفاء بأن ﴿قالوا إنما أنت من المسحرين﴾ أي الذين بولغ في سحرهم مرة بعد مرة مع كونهم آدميين ذمي سحور، وهي الرئات، فأثر فيك السحر حتى غلب عليك ؛ ونقل البغوي عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ أن معناه : من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب، يقال : سحره أي علله بالطعام والشراب.
ويؤيده تفسيره بقولهم إشارة إلى أنه لا يصلح للرسالة :﴿ما أنت إلا بشر مثلنا﴾ أي فما وجه خصوصيتك عنا بالرسالة، وهل يكون الرسول من البشر، وإتباعهم الوصف الوصف من غير عطف عليه يدل على أنهم غير جازمين بتكذيبه.
فالوصفان عندهم بمنزلة شيء واحد كما إذا قيل : الزمان حلو حامض، أي مر، ويؤيد كونهم في رتبة الشك لم يتجاوزوها إلى الجزم أو الظن بالتكذيب قولهم :﴿فأت بآية﴾ أي علامة تدلنا على صدقك ﴿إن كنت﴾ أي كوناً هو غاية الرسوخ ﴿من الصادقين﴾ أي العريقين في الصدق بخلاف ما يأتي قريباً في قصة شعيب عليه السلام.
ولما أسرع الله تعالى في إجابته حين دعا أن يعطيهم ما اقترحوا، أشار إلى ذلك بقوله :﴿قال﴾ أي جواباً لاقتراحهم : تعالوا نظروا ما آتيكم به آية على صدقي، فأتوا فأخرج الله له من الصخرة ناقة عشراء كما اقترحوا، فقال مشيراً إليها بأداة القرب إشارة إلى سهولة إخراجها وسرعته :﴿هذه ناقة﴾ أي أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم ؛ ثم أشار إلى أن في هذه الآية آية أخرى بكونها تشرب ماء البئر كله في يوم وردها وتكف عنه في اليوم الثاني لأجلهم، بقوله :﴿لها شرب﴾ أي نصيب من الماء في يوم معلوم ﴿ولكم شرب يوم﴾ أي نصيب من الماء في يوم ﴿معلوم﴾ لازحام بينكم وبينها في شيء من ذلك.
ولما أرشد السياق إرشاداً بَيِّناً إلى أن المعنى : فخذوا شربكم واتركوا لها شربها، عطف عليه قوله :﴿ولا تمسوها بسوء﴾ أي كائناً ما كان وإن قل، لأن ما كان من عند الله يجب إكرامه، ورعايته واحترامه ؛ ثم خوفهم بما يتسبب عن عصيانهم فقال :﴿فيأخذكم﴾ أي يهلككم ﴿عذاب يوم عظيم﴾ بسبب ما حل فيه من العذاب، فهو أبلغ من وصف العذاب بالعظم، وأشار إلى سرعة عصيانهم بفاء التعقيب في قوله :﴿فعقروها﴾ أي قتلوها بضرب ساقها بالسيف.
ولما تسبب عن عقرها حلول مخايل العذاب، أخبر عن ندمهم على قتلها من حيث إنه يفضي إلى الهلاك، لا من حيث إنه معصية لله ورسوله.


الصفحة التالية
Icon