اليهود الذين نجوا من الغرق طلبوا من موسى بعد نجاتهم أن يصنع لهم وثنا يعبدونه كسائر الوثنيين، فأى إيمان هذا؟. أما الذين تدبروا القرآن وانتفعت أفئدتهم بالوحى فقد هدموا الأصنام، وأناروا بالتوحيد المشارق والمغارب، يقول الله سبحانه فى طلاب الخوارق: " فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون ".
إن فقدان النظر السديد واتباع الهوى الغالب لايقودان إلا إلى البوار، والواقع أن الوثنية الأولى قاومت الإسلام بكل ما أوتيت من قوة فلم يؤمن إلا من عصم الله. أما أهل الكتاب فقد حاسنهم الوحى وطالبهم بالانصاف، فمن آمن وجد أعظم ترحيب، وفيهم يقول الله سبحانه :" الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا... ". وفى الحفاوة بالمؤمنين من أهل الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدركنى فآمن بى واتبعنى وصدقنى فله أجران ورجل كانت له أمة، فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن تأديبها، ثم اعتقها وتزوجها فله أجران. وعبد مملوك أدى حق الله تعالى وحق سيده فله أجران ". إن غرب آسيا والشمال الإفريقى كانا مليئين بأهل الكتاب فى ظل الحكم الرومانى، فدخلوا الإسلام إثر تعرفهم عليه، واطمئنانهم إلى حقائقه. أما وثنيو الجزيرة العربية فقد صدوا عن السبيل أول أمرهم، وأعلنوا على الدين الجديد حربا ضارية، وقد تألم الرسول لهذا الموقف، فقال الله له :" إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ". وقيل: إن هذه الآية نزلت فى أبى طالب الذى كان النبى شديد الرغبة فى إسلامه، وكان يعلم صدق ابن أخيه، ولكن انسياقه مع العرف السائد جعله يأبى الدخول فى الإسلام، وقال: ولقد علمت