قال القاضي أبو محمد : والمعنى الأول تقديره ﴿ ولقد وصلنا لهم ﴾ قولاً تضمن معاني من تدبرها اهتدى، وقرأ الحسن بن أبي الحسن " ولقد وصَلنا " بتخفيف الصاد، وقوله ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ أي في طمع البشر، وظاهر الأمر عندهم وبحسبهم، ثم ذكر تعالى القوم الذين آمنوا من أهل الكتاب مباهياً بهم قريشاً، واختلف إلى من الإشارة، فقيل إلى جماعة من اليهود أسلمت وكانت تلقى من الكفار أذى، وقيل إلى بحيرا الراهب، وقال الزهراوي : إلى النجاشي : وقيل : إلى سلمان وابن سلام، وأسند الطبري عن علي بن أبي رفاعة قال : خرج عشرة رهط من أهل الكتاب فيهم أبو رفاعة يعني أباه فأسلموا فأوذوا فنزلت فيهم هذه الآية، والضمير في ﴿ قبله ﴾ يحتمل أن يعود على النبي ﷺ، ويحتمل أن يعود على القرآن، وما بعد يؤيد هذا، قوله ﴿ وإذا يتلى عليهم ﴾ وقولهم ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ يريدون الإسلام المتحصل لهم من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام، و﴿ أجرهم مرتين ﴾ معناه على ملتين وبحظوة شريعتين، وهذا المعنى هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ :" ثلاثة يؤتيهم أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، والعبد الناصح في عبادة ربه وخدمة سيده، ورجل كانت له أمة فأدبها وعلمها ثم أعتقها وتزوجها " وقوله تعالى :﴿ بما صبروا ﴾ عام في صبرهم على ملتهم ثم على هذه وعلى الأذى الذي يلقونه من الكفار وغير ذلك من أنوع الصبر، وقوله تعالى :﴿ ويدرؤون ﴾ معناه يدفعون هذا وصف لمكارم الأخلاق أي يتعاقبون ومن قال لهم سوءاً لا ينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه، وهذه آية مهادنة وهي في صدر الإسلام وهي مما نسخته آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاها أمة محمد إلى يوم القيامة، وقوله تعالى :﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ مدح لهم بالنفقة في الطاعات وعلى رسم الشرع، وفي ذلك حض على الصدقات ونحوها، و﴿ اللغو ﴾ سقط القول،


الصفحة التالية
Icon