بين لهم سبحانه أنهم وقعوا بما فعلوا عند خوف الغرق في ذلك، وأعجب منه رجوعهم إلى الكفر عند الإنجاء، لما فيه مع ذلك من كفران الإحسان الذي هو عندهم من أعظم الشنع، فقال دالاً بالفاء على قرب استحالتهم وطيشهم وجهالتهم :﴿فلما نجّاهم﴾ أي خلصهم رافعاً لهم، تنجية لهم عظيمة بالتدريج من تلك الأهوال ﴿إلى البر﴾ نزلوا عن تلك المرتبة التي أخلصوا فيها الدين، وتنكبوا سبيل المفسدين وانقسموا قسمين ﴿فمنهم﴾ أي تسبب عن نعمة الإنجاء وربط بها إشارة إلى أن المؤثر لهذا الانقسام إنما هو الاضطرار إلى الإخلاص في البحر والنجاة منهم أنه كان منهم ﴿مقتصد﴾ متكلف للتوسط والميل للإقامة على الطريق المستقيم، وهو الإخلاص في التوحيد الذي ألجأه إليه الاضطرار، وهم قليل - بما دل عليه التصريح بالتبعيض، ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلباب الحياة في التصريح بذلك، وهو الأكثر - كما مضت الإشارة إليه ودل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض، وما يقتصد إلا كل صبار شكور، إما حالاً وإما مالاً ﴿وما يجحد﴾ وخوّف الجاحد بمظهر العظمة التي من شأنها الانتقام، فقال صارفاً القول إليه :﴿بآياتنا﴾ أي ينكرها مع عظمها ولا سيما بعد الاعتراف بها ﴿إلا كل ختار﴾ أي شديد الغدر عظيمه لما نقض من العهد الهادي إليه العقل والداعي إليه الخوف ﴿كفور﴾ أي عظيم الكفر لإحسان من هو متقلب في نعمه، في سره وعلنه، وحركاته وسكناته، ولا نعمة إلا وهي منه، ومن هنا جاءت المبالغة في الصفتين، وعلم أنهما طباق ومقابلة لختام التي قبلها، وأن الآية من الاحتباك : دل ذكر المقتصد أولاً على " ومنهم جاحد " ثانياً، وحصر الجحود في الكفور ثانياً على حصر الاقتصاد في الشكور أولاً، قال البغوي : قيل : نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين هرب ـ رضى الله عنه ـ عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف - يعني : فقال الركاب على عادتهم : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ههنا شيئاً - فقال عكرمة ـ رضى