فصل


قال الفخر :
﴿وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب﴾
لما قرر الأصول الثلاثة على ما بيناه عاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة المذكورة في قوله :﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ﴾ [ القصص : ٤٦ ] وقال :﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرسل﴾ [ الأحقاف : ٩ ] بل كان قبلك رسل مثلك واختار من بينهم موسى لقربه من النبي ﷺ ووجود من كان على دينه إلزاماً لهم، وإنما لم يختر عيسى عليه السلام للذكر والاستدلال لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوة موسى عليه السلام فتمسك بالمجمع عليه، وقوله :﴿فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ﴾ قيل معناه فلا تكن في شك من لقاء موسى فإنك تراه وتلقاه، وقيل بأنه رآه ليلة المعراج وقيل معناه فلا تكن في شك من لقاء الكتاب فإنك تلقاه كما لقي موسى الكتاب ويحتمل أن تكون الآية واردة لا للتقرير بل لتسلية النبي عليه السلام فإنه لما أتى بكل آية وذكر بها وأعرض عنها قومه حزن عليهم، فقيل له تذكر حال موسى ولا تحزن فإنه لقي ما لقيت وأوذي كما أوذيت، وعلى هذا فاختيار موسى عليه السلام لحكمة، وهي أن أحداً من الأنبياء لم يؤذه قومه إلا الذين لم يؤمنوا به، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير قوم موسى فإن لم يؤمن به آذاه مثل فرعون وغيره ومن آمن به من بني إسرائيل أيضاً آذاه بالمخالفة وطلب أشياء منه مثل طلب رؤية الله جهرة ومثل قوله :


الصفحة التالية
Icon