ولما ذكر الصادقين، وكان ربما فهم أن الصدق لا يكون إلا بالقتل، قسمهم قسمين مشيراً إلى خلاف ذلك بقوله :﴿فمنهم من قضى﴾ أي أعطى ﴿نحبه﴾ أي نذره في معاهدته، أنه ينصر رسول الله ـ ﷺ ـ ويموت دونه، وفرغ من ذلك وخرج من عهدته بأن قتل شهيداً، فلم يبق عليه نذر كحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وسعد بن الربيع وأنس بن النضر الذي غاب عن غزوة بدر فقال : غبت عن أول قتال قاتل فيه النبي ـ ﷺ ـ، لئن أشهدني الله قتالاً ليرين الله ما أصنع، فلما انهزم من انهزم في غزوة أحد قال : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ومما صنع هؤلاء - يعني المنهزمين من المسلمين.
وقاتل حتى قتل بعد بضع وثمانين جراحة من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وروى البخاري عن أنس بن مالك ـ رضى الله عنه ـ قال :" نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر ﴿من المؤمنين رجال﴾ " - انتهى، وغير هؤلاء ممن قتل قبل هذا في غزوة أحد وغيرها، وسعد بن معاذ ممن جرح في هذه الغزوة وحكم في بني قريظة بالقتل والسبي، ولم يرع لهم حلفهم لقومه، ولا أطاع قومه في الإشارة عليه باستبقائهم كما استبقى عبد الله بن أبي المنافق بني قينقاع ولا أخذته بهم رأفة غضباً لله ولرسوله ـ رضى الله عنه ـ، وممن لم يقتل في عهد النبي ـ ﷺ ـ طلحة بن عبيد الله أحد العشرة ـ رضى الله عنه ـ م ثبت في أحد وفعل ما لم يفعله غيره، لزم النبي ـ ﷺ ـ فلم يفارقه، وذب عنه ووقاه بيده حتى شلت إصبعه النبي ـ ﷺ ـ أنه ممن قضى نحبه، فالمراد بالنحب هنا العهد الذي هو كالنذر المفضي إلى الموت، وأصل النحب الاجتهاد في العمل، ومن هنا استعمل في النذر لأنه الحامل على ذلك ﴿ومنهم﴾ أي الصادقين ﴿من ينتظر﴾ قضاء النحب إما بالنصرة، أو الموت على الشهادة، أو مطلق المتابعة الكاملة.