، فما وجه قوله :﴿أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ فإنه ينبىء أن بعضهم لم يؤمن بهم ولم يطع لهم ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن الملائكة احترزوا عن دعوى الإحاطة بهم فقالوا أكثرهم لأن الذين رأوهم واطلعوا على أحوالهم كانوا يعبدون الجن ويؤمنون بهم ولعل في الوجود من لم يطلع الله الملائكة عليه من الكفار الثاني : هو أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن فقالوا :﴿بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن﴾ لاطلاعهم على أعمالهم وقالوا :﴿أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ عند عمل القلب لئلا يكونوا مدعين اطلاعهم على ما في القلوب فإن القلب لا اطلاع عليه إلا لله، كما قال تعالى :﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ [ الأنفال : ٤٣ ].
فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)
وفيه مسائل :
المسألة الأولى :
الخطاب بقوله :﴿بَعْضُكُمْ﴾ مع من ؟ نقول يحتمل أن يكون الملائكة لسبق قوله تعالى :﴿أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [ سبأ : ٤٠ ] وعلى هذا يكون ذلك تنكيلاً للكافرين حيث بين لهم أن معبودهم لا ينفع ولا يضر، ويصحح هذا قوله تعالى :﴿لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾ [ مريم : ٨٧ ] وقوله :﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [ الأنبياء : ٢٨ ] ولأنه قال بعده :﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ﴾ فأفردهم ولو كان المخاطب هم الكفار لقال فذوقوا.