لقد كان النبى شديد الأسى لكفر من كفر إنه يبذل جهده تذكرة وتبصرة، ولكن لا يهلك على الله إلا هالك كره الحق وآثر الغى. ومن هنا جاء النداء الثالث والأخير فى هذه السورة " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز ". إن الله لا يعز عليه شىء، فهو قدير على محو العالم بما فيه ومن فيه، والإتيان بعالم آخر أزكى وأتقى..! وأمام الناس خيار بين الجور والعدل، بين الذل والعز، بين الوفاء لله والغدر بعهده " من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور". وتمضى السورة تكشف طورى الإيجاد والإمداد، فالله مرسل الريح تثير السحب، وهو منشئ البحرين: هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج. " والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا... ". ومع ذلك فأعداد من الناس تنطلق فى دروب الحياة كالكلاب الضالة لا تعرف لها ربا ولا تؤدى له حقا، ولا تزال تائهة حتى يخترمها طلق نارى ينتهى بعده تشردها وتمردها. يكاد الإجماع ينعقد بين الخبراء بالأديان على أن الإسلام قام على الفكر فى الكون والبصر بالحياة، وأنه دعوة حارة إلى التأمل فى العالم وتدبر آياته وقواه وكشف أسراره وقوانينه. إن التفكر فى ذات الله مستحيل، فلم يبق سبيل إلى معرفة عظمته إلا من متابعة آياته فى مخلوقاته، وهى دليل لا يكذب على علمه وقدرته وجلاله وجماله. إنه على مسافة خطوات محدودة من الأرض ترى زروعا مختلفة الطعوم والألوان والروائح تخرج جميعا من طينة واحدة، فإذا رفعت عينك إلى السماء وجدت شمسا ساطعة وقمرا منيرا ونجوما مبعثرة فى الآفاق على أبعاد سحيقة تدل على عالم ضخم فخم.. وليس هذا كله إلا أثر رب كبير. ومن هذا المنطلق، تتلو قوله تعالى: " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال


الصفحة التالية
Icon