أما الطريق الأول : فهو المراد من قوله :﴿فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً﴾ والتقدير كأنه تعالى يقول : استفت يا محمد هؤلاء المنكرين أهم أشد خلقاً من خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق المشارق والمغارب وخلق الشياطين الذين يصعدون الفلك، ولا شك أنهم يعترفون بأن خلق هذا القسم أشق وأشد في العرف من خلق القسم الأول، فلما ثبت بالدلائل المذكورة في إثبات التوحيد كونه تعالى قادراً على هذا القسم الذي هو أشد وأصعب، فبأن يكون قادراً على إعادة الحياة في هذه الأجساد كان أولى، ونظير هذه الدلالة قوله تعالى في آخر يس ﴿أَوَلَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ [ يس : ٨١ ] وقوله تعالى :﴿لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [ غافر : ٥٧ ] وأما الطريق الثاني : فهو المراد من قوله :﴿إِنَّا خلقناهم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ والمعنى أن هذه الأجسام قابلة للحياة إذ لو لم تكن قابلة للحياة لما صارت حية في المرة الأولى والإله قادر على خلق هذه الحياة في هذه الأجسام، ولولا كونه تعالى قادراً على هذا المعنى لما حصلت الحياة في المرة الأولى، ولا شك أن قابلية تلك الأجسام باقية وأن قادرية الله تعالى باقية لأن هذه القابلية وهذه القادرية من الصفات الذاتية فامتنع زوالها فثبت بهذين الطريقين أن القول بالبعث والقيامة أمر ممكن، ولما بين تعالى إمكان هذا المعنى بهذين الطريقين بين وقوعه بقوله ؛ ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ داخرون﴾ [ الصافات : ١٨ ] وذلك لأنه ثبت صدق الرسول ﷺ لأجل ظهور المعجزات عليه والصادق إذا أخبر عن أمر ممكن الوقوع وجب الاعتراف بوقوعه فهذا تقرير نظم هذه الآية وهو في غاية الحسن، والله أعلم.
المسألة الثانية :