ولما كان التعبير بالبنت أكره إليهم من التعبير بالأنثى، والتعبير بالابن أحب إليهم من التعبير بالذكور وأنص على المراد لأن الذكر مشترك بين معان، قال :﴿البنات﴾ اللاتي تستنكفون أنتم من لحوقهن بكم، وتستحيون من نسبتهن إليكم، حتى أن بعضكم ليصل في إبعادهن إلى الوأد ﴿على البنين﴾ فكان حينئذ نظره لنفسه دون نظر أقلكم فضلاً عن أجلكم، ولذلك عظم حسناً وتناهى بلاغة قوله :﴿ما﴾ أي يا معاشر العرب المدعين لصحة العقول وسداد الأنظار والفهوم! أيّ شيء ﴿لكم﴾ من الخير في هذا المقال؟ ثم زاد في التقريع عليه بقوله معجباً منهم :﴿كيف تحكمون﴾ أي في كل سألناكم عنه بمثل هذه الأحكام التي لا تصدر عمن له أدنى مسكة من عقله، وعبر بالحكم لاشتهاره فيما يبت فيأبى النقص، فكان التعبير به أعظم في تقريعهم حيث أطلقوه على ما لا أوهى منه.
ولما كان هذا شديد المنافاة للعقول، عظيم البعد عن الطباع، حسن جداً قوله أيضاً مبكتاً :﴿أفلا تذكرون﴾ أي أدنى تذكر بما أشارت إليه قراءة من خفف بما جمعت من التخفيف والحذف، فإن الأمر في غاية الظهور لما في عقولكم وطباعكم من أنكم لا ترضون لأنفسكم أخس المنازل، فكيف يختاره لنفسه ربكم الذي بيده كل شيء؟ وإنه لا يكون الولد مطلقاً إلا ممن له جنس، فيكون محتاجاً إلى جنسه، والمحتاج لا يكون إلهاً بوجه، وأشارت قراءة الجماعة بالتشديد والإدغام إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد تذكر بما أشار إليه التشديد مع دقة بما أشار إليه الإدغام لأجل حل شبهة من يرى أفعال من يحيي الموءودة فيظن أن ذلك رغبة منهم في الإناث، وليس ذلك إلا رغبة في دفع فساد القتل ورحمة للضعيف، ولم يقرأ بالفك إشارة إلى أن الأمر غني عن الدرجة العليا في التأمل.


الصفحة التالية
Icon