ومن فوائد القاسمى فى الآيتين
قال رحمه الله :
﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾
هذا إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم، وهو ما جاء به محمد ﷺ، وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب والمشركين، أي : لا يرغب عن ملته الواضحة الغراء إلا من سفه نفسه، أي : حملها على السفه وهو الجهل.
قال الراغب : وسفه نفسه أبلغ من جهلها، وذاك أن الجهل ضربان : جهل بسيط، وهو أن لا يكون للإنسان اعتقاد في الشيء. وجهل مركب وهو أن يعتقد في الحق أنه الباطل، وفي الباطل أنه حق. والسفه : أن يعتقد ذلك ويتحرى بالفعل مقتضى ما اعتقده. فبيّن تعالى أن من رغب عن ملة إبراهيم، فإن ذلك لسَفَه نفسه، وذلك أعظم مذمة، فهو مبدأ كل نقيضة، وذاك أن من جهل نفسه، جهل أنه مصنوع، وإذا جهل كونه مصنوعاً جهل صانعه، وإذا لم يعلم أن له صانعاً، فكيف يعرف أمره ونهيه، وما حسّنه وقبّحه ؟ ولكون معرفتها ذريعة إلى معرفة الخالق جل ثناؤه، قال :﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [ الذاريات : ٢١ ]، وقال :﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ [ الحشر : ١٩ ].