فصل


قال الفخر :
ثم قال تعالى بعده :﴿وَيُنَجّى الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾
وجب أن يكون المراد هم الذين اتقوا ذلك الكذب، فهذا يقتضي أن كل من لم يتصف بذلك الكذب أنه يدخل تحت ذلك الوعد المذكور بقوله ﴿وَيُنَجّى الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ وأن يكون قولك ﴿الذين اتقوا﴾ المراد منه من اتقى كل الكبائر فاسداً، فثبت أن التعصب يحمل الرجل العاقل على الكلمات المتناقضة، بل الحق أن تقول المتقي هو الآتي بالاتقاء والآتي بالاتقاء في صورة واحدة آت بمسمى الاتقاء، وبهذا الحرف قلنا الأمر المطلق لا يفيد التكرار، ثم ذلك الاتقاء غير مذكور بعينه في هذه اللفظة فوجب حمله على الاتقاء عن الشيء الذي سبق ذكره وهذا هو الكذب على الله تعالى، فثبت أن ظاهر الآية يقتضي أن من اتقى عن تلك الصفة وجب دخوله تحت هذا الوعد الكريم.
ثم قال تعالى :﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :
قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بمفازاتهم على الجمع، والباقون بمفازتهم على التوحيد، وحكى الواحدي عن الفرّاء أنه قال : كلاهما صواب، إذ يقال في الكلام قد تبين أمر القوم وأمور القوم، قال أبو علي الفارسي : الإفراد للمصدر ووجه الجمع أن المصادر قد تجمع إذا اختلفت أجناسها، كقوله تعالى :
﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ [ الأحزاب : ١٠ ] ولا شك أن لكل متق نوعاً آخر عن المفازة.
المسألة الثانية :
المفازة مفعلة من الفوز وهو السعادة، فكأن المعنى أن النجاة في القيامة حصلت بسبب فوزهم في الدنيا بالطاعات والخيرات، فعبر عن الفوز بأوقاتها ومواضعها.


الصفحة التالية
Icon