فصل
قال الفخر :
﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾
اعلم أنه تعالى راعى ترتيبا لطيفاً في آخر هذه السورة، وذلك أنه ذكر فصلاً في دلائل الإلهية وكمال القدرة والرحمة والحكمة، ثم أردفه بفصل التهديد والوعيد وهذا الفصل الذي وقع عليه ختم هذه السورة هو الفصل المشتمل على الوعيد، والمقصود أن هؤلاء الكفار الذين يجادلون في آيات الله وحصل الكبر العظيم في صدورهم بهذا، والسبب في ذلك كله طلب الرياسة والتقدم على الغير في المال والجاه، فمن ترك الانقياد للحق لأجل طلب هذه الأشياء فقد باع الآخرة بالدنيا، فبين تعالى أن هذه الطريقة فاسدة، لأن الدنيا فانية ذاهبة، واحتج عليه بقوله تعالى :﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني لو ساروا في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين المتمردين، ليست إلا الهلاك والبوار، مع أنهم كانوا أكثر عدداً ومالاً وجاهاً من هؤلاء المتأخرين، فلما لم يستفيدوا من تلك المكنة العظيمة والدولة القاهرة إلا الخيبة والخسار، والحسرة والبوار، فكيف يكون حال هؤلاء الفقراء المساكين، أما بيان أنهم كانوا أكثر من هؤلاء عدداً فإنما يعرف في الأخبار، وأما أنهم كانوا أشد قوة وآثاراً في الأرض، فلأنه قد بقيت آثارهم بحصون عظيمة بعدهم، مثل الأهرام الموجودة بمصر، ومثل هذه البلاد العظيمة التي بناها الملوك المتقدمون، ومثل ما حكى الله عنهم من أنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً.
ثم قال تعالى :﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ما في قوله ﴿فَمَا أغنى عَنْهُمْ﴾ نافية أو مضمنة معنى الاستفهام ومحلها النصب، وما في قوله ﴿مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع يعني أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم.