ومحمل الكلام البليغ يرشد إلى أنَّ إناطة هذه الأخبار بصنف من المشركين أو بمشرك معين بعنوان إنسان يومىء بأنّ للجبلة الإنسانية أثراً قوياً في الخُلُق الذي منه هذه العقيدة إلا من عصمه الله بوازع الإيمان.
فأصل هذا الخُلق أمر مرتكز في نفس الإنسان، وهو التوجه إلى طلب الملائم والنافع ونسيان ما عسى أن يحل به من المؤلم والضار، فبذلك يأنس بالخير إذا حصل له فيزداد من السعي لتحصيله ويحسبه كالملازم الذاتي فلا يتدبر في مُعطيه حتى يشكره ويسأله المزيد تخضعاً، وينسى ما عسى أن يطرأ عليه من الضرّ فلا يستعد لدفعه عن نفسه بسؤال الفاعل المختار أن يدفعه عنه ويعيذه منه.
فأما أنّ الإنسان لا يسأم من دعاء الخير فمعناه : أنّه لا يكتفي، فأطلق على الاكتفاء والاقتناع السآمة، وهي الملَل على وجه الاستعارة بتشبيه استرسال الإنسان في طلب الخير على الدوام بالعمل الدائم الذي شأنه أن يسأم منه عامله فنفيُ السآمة عنه رمزٌ للاستعارة.
وفي الحديث :" لوْ أن لابن آدم واديين من ذهب لأحبّ لهما ثالثاً، ولو أن له ثلاثة لأحبّ لهما رابعاً، ولا يملأ عين ابن آدم إلاّ التراب " وقال تعالى :﴿ وإنّه لِحُبّ الخير لشديد ﴾ [ العاديات : ٨ ].
والدعاء : أصله الطلب بالقول، وهو هنا مجاز في الطلب مطلقاً فتكون إضافته إلى الخير من إضافة المصدر إلى ما في معنى المفعول، أي الدعاء بالخير أو طلب الخير.
ويجوز أن يكون الدعاء استعارة مكنية، شبه الخير بعاقل يسأله الإنسان أن يُقبِل عليه، فإضافة الدعاء من إضافة المصدر إلى مفعوله.


الصفحة التالية
Icon