ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى... تباركت مع ما تقدر يقع ولك الشكر
وبينا هناك، أن ذلك هو معنى ليلة القدر، لأن الله يقدر فيها وقائع السنة.
وبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى :﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ وأوضحنا هناك أن القدر بفتح الدال والقدر بسكونها هما ما يقدره الله من قضائه : ومنه قول هدبة بن الخشرم :
ألا يا لقومي للنوائب والقدر... وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري
واعلم أن قول من قال : إنما سميت ليلة القدر لعظمها وشرفها على غيرها من الليالي من قولهم : فلان ذو قدر أي ذو شرف ومكانة رفيعة لا ينافي القول الأول لاتصافها بالأمرين معاً، وصحة وصفها بكل منهما كما أوضحنا مثله مراراً.
واختلف العلماء في إعراب قوله ﴿ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ ﴾ قال بعضهم : هو مصدر منكر في موضع الحال، أي أنزلناه في حال كوننا آمرين به.
وممن قال بهذا الأخفش.
وقال بعضهم : هو ما ناب عن المطلق من قوله ( أنزلناه ) وجعل ( أمراً ) بمعنى : إنزالاً.
وممن قال به المبرد.
وقال بعضهم هو ما ناب عن المطلق من يفرق، فجعل ( أمراً ) بمعنى فرقاً أو فرق بمعنى أمراً.
وممن قال بهذا الفراء والزجاج.
وقال بعضهم هو حال من ( أمر ) أي ( يفرق فيها بين كل أمر حكيم ).
في حال كونه أمراً من عندنا، وهذا الوجه جيد ظاهر، وإنما ساغ إتيان الحال من النكرة وهي متأخرة عنها لأن النكرة التي هي ( أمر ) وصفت بقوله ( حكيم ) كما لا يخفى.
وقال بعضهم ﴿ أمراً ﴾ مفعول به لقوله ( منذرين ) وقيل غير ذلك. واختار الزمخشري : أنه منصوب بالاختصاص، فقال : جعل كل أمر جزلاً فخماً بأن وصفه بالحكيم ثم زاده جزالة وأكسبه فخامة، بأن قال : أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا، كائناً من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا وهذا الوجه أيضاً ممكن، والعلم عند الله تعالى.


الصفحة التالية
Icon