والثاني : أن قريشاً أصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء دخاناً من الجوع ؛ فروى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث مسروق، قال : كنا عند عبد الله، فدخل علينا رجل، فقال : جئتُكَ من المسجد، وتركتُ رجلاً يقول في هذه [ الآية ] ﴿ يوم تأتي السماءُ بدخانٍ مُبينٍ ﴾ : يغشاهم يومَ القيامة دخان يأخذ بأنفاسهم حتى يصيبَهم منه كهيئة الزكام ؛ فقال عبد الله : من عَلِم عِلْماً فلْيَقُل به، ومن لم يَعْلَم فلْيَقُل : الله أعلم، إنما كان [ هذا ] لأن قريشاً لمّا استعصت على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسنيِّ يوسف، فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام والميتة، وجعل الرجلُ ينظُر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فقالوا ﴿ ربَّنا اكشف عنّا العذاب إنّا مؤمِنون ﴾، فقال الله تعالى :﴿ إِنّا كاشِفو العذابِ قليلاً إِنكم عائدون ﴾، فكشف عنهم، ثم عادوا إِلى الكفر، فأخذوا يومَ بدر، فذلك قوله :﴿ يومَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبرى ﴾، وإِلى نحو هذا ذهب مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وابن السائب، ومقاتل.
والثالث : أنه يوم فتح مكة لمّا حُجبت السماءُ بالغبرة، حكاه الماوردي.
قوله تعالى :﴿ هذا عذابٌ ﴾ أي : يقولون هذا عذابٌ.
﴿ ربَّنا اكشِفْ عنّا العذاب ﴾ فيه قولان.
أحدهما : الجوع.
والثاني : الدخان.
﴿ إِنّا مؤمِنون ﴾ بمحمد ﷺ والقرآن.
﴿ أنَّى لهم الذِّكرى ﴾ أي : من أين لهم التذكُّر والاتِّعاظ بعد نزول هذا البلاء، ﴿ و ﴾ حالهم أنه ﴿ قد جاءهم رسول مبين ﴾ أي : ظاهر الصِّدق.
﴿ ثم تولَّوْا عنه ﴾ أي : أعرضوا ولم يقبلوا قوله ﴿ وقالوا مُعَلمَّ مجنونُ ﴾ أي : هو معلَّم يعلِّمه بشر مجنون بادعائه النُّبوَّة ؛ قال الله تعالى :﴿ إِنّا كاشفوا العذابِ قليلاً ﴾ أي : زماناً يسيراً.
وفي العذاب قولان :


الصفحة التالية
Icon