﴿ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَا ﴾ نصب على الاختصاص جعل كل أمر جزلاً فخماً بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وفخامة بأن قال : أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا كما اقتضاه علمنا وتدبيرنا ﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ بدل من ﴿ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ﴾ ﴿ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ مفعول له على معنى أنزلنا القرآن.
لأن من شأننا وعادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم، أو تعليل لقوله ﴿ أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا ﴾، و ﴿ رَحْمَةً ﴾ مفعول به.
وقد وصف الرحمة بالإرسال كما وصفها به في قوله ﴿ وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ [ فاطر : ٢ ] والأصل إنا كنا مرسلين رحمة منا فوضع الظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين ﴿ إِنَّهُ هُوَ السميع ﴾ لأقوالهم ﴿ العليم ﴾ بأحوالهم ﴿ رَبِّ ﴾ كوفي بدل من ﴿ رَبَّكَ ﴾ وغيرهم بالرفع أي هو ربٌ ﴿ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ﴾ ومعنى الشرط أنهم كانوا يقرون بأن للسموات والأرض رباً وخالقاً فقيل لهم : إن إرسال الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب، ثم قيل : إن هذا الرب هو السميع العليم الذي أنتم مقرّون به ومعترفون بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما إن كان إقراركم عن علم وإيقان كما تقول : إن هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه إن بلغك حديثه وحدثت بقصته ﴿ لآ إله إِلاَّ هُوَ يُحْيِى وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ ﴾ أي هو ربكم ﴿ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الأولين ﴾ عطف عليه.