وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده، وبيّن أنه خلق ما خلق لمنافعهم.
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسانٌ منه وإنعام.
وقرأ ابن عباس والجحدرِي وغيرهما "جَمِيعاً مِنّةً" بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء، منصوباً على المصدر.
قال أبو عمرو : وكذلك سمعت مسلمة يقرؤها "مِنّةً" أي تفضلاً وكرماً.
وعن مسلمة بن محارب أيضاً "جميعاً مَنُّهُ" على إضافة المنّ إلى هاء الكناية.
وهو عند أبي حاتم خبر ابتداء محذوف، أي ذلك، أو هو مَنُّه.
وقراءة الجماعة ظاهرة.
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾.
قوله تعالى :﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ ﴾ جزم على جواب "قُلْ" تشبيهاً بالشرط والجزاء ؛ كقولك : قم تُصِب خيراً.
وقيل : هو على حذف اللام.
وقيل : على معنى قل لهم اغفروا يغفروا ؛ فهو جواب أمر محذوف دلّ الكلام عليه ؛ قاله عليّ بن عيسى واختاره ابن العربيّ.
ونزلت الآية بسبب أن رجلاً من قريش شتم عمر بن الخطاب فهمَّ أن يبطش به.
قال ابن العربيّ : وهذا لم يصح.
وذكر الواحديّ والقشيريّ وغيرهما عن ابن عباس : أن الآية نزلت في عمر مع عبد الله بن أُبَيّ في غَزْوة بني المُصْطَلِق، فإنهم نزلوا على بئر يقال لها "المُرَيْسِيع" فأرسل عبد الله غلامه ليستقي، وأبطأ عليه فقال : ما حبسك؟ قال : غلام عمر بن الخطاب قعد على فم البئر، فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قِرب النبيّ ﷺ وقِرب أبي بكر، وملأ لمولاه.
فقال عبد الله : ما مَثَلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سَمِّن كلبك يأكلك.


الصفحة التالية
Icon